عبد القاهر الجرجاني
52
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )
قيل : إنَّ هذا هو الذي يُعيد هذه الشبْهة جَذعة أبداً 1 ، والذي يَحلُّها 2 : أن تَنْظر : أتتصوَّرُ أَن تكُون معْتَبِراً مفكِّراً في حالِ اللفظ مع اللفظ حتى تضَعَه بجنبهِ أو قبلَه ، وأن تقولَ : " هذه اللفظية إنما صلت ههنا لكونِها على صفةِ كذا " أم لا يُعقل إلا أن تقول : " صلحت ههنا ، لأن معناها كذا ، ولدلالتها على كذا ، ولن معنى الكلامِ والغرضِ فيه يُوجب كذا ، ولأن معنى ما قبلها يَقْتضي معناها ؟ " . فإِن تصورتَ الأولَ ، فقلْ ما شئْتَ ، واعلمْ أنَّ كلَّ ما ذكرناهُ باطلٌ وإنْ لم تتصورْ إلا الثاني ، فلا تخْدَعنَّ نفْسَك بالأَضاليل ، ودعِ النظرَ إلى ظواهر الأمور 3 ، ليس هو الذي طلبْتَه بالفكرِ ، ولكنه شيءٌ يقعُ بسببِ الأَولِ ضرورةً ، من حيثُ إِنَّ الألفاظَ إذا كانتْ أوعيةً للمعاني ، فإِنَّها لا محالةَ تَتَبْع المعاني في مواقعها ، فإِذا وجَبَ لِمعنًى أنْ يكونَ أولاً في النفسِ ، وجَب للفظ لادال عليه أن يكونَ مثْلَه أوَّلاً في النُّطق ، فأمَّا أَن تتصورَ في الألفاظِ أن تكونَ المقصودةَ قبلَ المعاني بالنَّظم والترتيبِ ، وأن يكونَ الفكر في النظم الذي يتواصفه البغاء فكرًا نظْم الألفاظ ، أو أن تحتاجَ بَعْد ترتيبِ المعاني إلى فكْرٍ تستأنفُه لأن تجيءَ بالألفاظِ على نَسَقها ، فباطلٌ منَ الظنَّ ، ووهْمٌ يُتخيَّل إلى من
--> 1 " أعاد الشيء جذعًا " أي جديدًا . وأصل " الجذع " ما قبل الثنى من البهائم ، ويطلق على الشاب من الناس والأنثى " جذعة " ، " رشيد " . 2 في " ج " : " الذي يحله " ، وفي " س " : " والذي يحله عنك " وفي هامش المطبوعة : " في نسخة : يحيله عنك " . 3 في المطبوعة : " ترتيب الألفاظ " .